كتب عاطف صبحى
د. الحبيب النوبي، المستشار في الديوان الملكي السعودي، يحذر من تداعيات التصعيد الإقليمي على أمن الخليج وأسواق الطاقة وقناة السويس، ويدعو إلى تعزيز التنسيق العربي وتنويع الشراكات الدفاعية
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل الصراعات في اليمن والبحر الأحمر مع المواجهة الأمريكية الإيرانية، تبرز الهجمات التي تستهدف المملكة العربية السعودية بوصفها تطورًا بالغ الحساسية، لا تقتصر تداعياته على أمن المملكة فحسب، بل تمتد إلى استقرار الشرق الأوسط وحركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية.
وفي قراءة تحليلية للتطورات الراهنة، يسلط الدكتور الحبيب النوبي، المستشار في الديوان الملكي السعودي، الضوء على الأبعاد الاستراتيجية للتصعيد، وانعكاساته على التوازنات الإقليمية، ومستقبل التحالفات الدولية، وأهمية بناء منظومة أمن عربي أكثر قدرة على حماية المصالح الوطنية والتعامل مع التحديات المتصاعدة.
الهجمات على الرياض وتحديات حماية المنشآت الحيوية
يرى التحليل أن استهداف المنشآت المدنية والحيوية، بما في ذلك المطارات والبنية التحتية، يضع أمن الطيران واستمرارية النشاط الاقتصادي وثقة المستثمرين أمام تحديات مباشرة، خاصة في ظل المكانة السياسية والاقتصادية التي تحتلها المملكة العربية السعودية إقليميًا ودوليًا.
ولا تقتصر أهمية السعودية على كونها إحدى القوى الرئيسية في أسواق الطاقة العالمية، بل تمتد إلى دورها المحوري في العالمين العربي والإسلامي، وموقعها الجغرافي الذي يربط منطقة الخليج بالبحر الأحمر، فضلًا عن تأثيرها في حركة التجارة والاستثمار والتوازنات السياسية في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تصعيد يستهدف أمن المملكة قد تكون له تداعيات تتجاوز الحدود الجغرافية، بما يستدعي تعزيز إجراءات حماية المنشآت الحيوية، وتطوير قدرات الإنذار المبكر والدفاع الجوي، وضمان استمرارية الخدمات والمرافق الاستراتيجية.
باب المندب والبحر الأحمر.. معركة تتجاوز حدود اليمن
يشير التحليل إلى أن تطورات الصراع اليمني تكتسب أهمية إضافية في ضوء الموقع الاستراتيجي لمضيق باب المندب، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لحركة التجارة الدولية ونقل الطاقة.
فالتنافس على المواقع الساحلية القريبة من المضيق لا يرتبط فقط بالاعتبارات العسكرية، بل يمتد إلى القدرة على التأثير في حركة الملاحة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار التوترات في منطقة الخليج ومضيق هرمز، إذ إن تزامن الاضطرابات في هذه الممرات البحرية قد يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وتبرز مصر في قلب هذه المعادلة، نظرًا إلى ارتباط أمن البحر الأحمر وسلامة الملاحة فيه بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية لقناة السويس، وهو ما يجعل احتواء التصعيد ضرورة إقليمية ودولية.
الحوثيون وإيران.. تداخل المصالح والحسابات الإقليمية
يتناول التحليل دور جماعة الحوثيين في معادلات الأمن الإقليمي، في ضوء قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة وموقعها الجغرافي المؤثر في الملاحة بالبحر الأحمر، إلى جانب ما تشير إليه تقارير دولية بشأن الدعم الإيراني للجماعة في المجالات العسكرية والتقنية والسياسية.
وفي المقابل، يقتضي التقييم الاستراتيجي التمييز بين مصالح الأطراف المختلفة وحساباتها الخاصة، وعدم افتراض وجود خطة موحدة لإدارة جميع التطورات من دون أدلة موثوقة تثبت ذلك.
كما أن تطورات الميدان اليمني، بما فيها التحركات العسكرية قرب باب المندب والمخا، تظل عاملًا مؤثرًا في تقدير مسارات التصعيد واحتمالات اتساع المواجهة.
ومن ثم، فإن التعامل مع التهديدات الأمنية يتطلب قراءة دقيقة للوقائع الميدانية، وتقييمًا مستمرًا لقدرات الأطراف المتحاربة، إلى جانب دعم الحلول السياسية التي تحد من اتساع الصراع وتحول دون تحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع.
مستقبل الشراكة الأمريكية السعودية وتنويع التحالفات الدفاعية
وفيما يتعلق بالعلاقات السعودية الأمريكية، يوضح التحليل أن التحالفات الدولية لا تعني بالضرورة التطابق الكامل في المصالح أو المواقف، إذ تتحرك القوى الكبرى وفق حسابات تتعلق بأمنها القومي وتكاليف التدخل العسكري ومدى تأثيره في مصالحها الإقليمية والدولية.
ولا يعني اختلاف الحسابات بالضرورة انهيار الشراكات القائمة، لكنه يسلط الضوء على أهمية تعزيز القدرات الوطنية وعدم الاعتماد على الضمانات الخارجية وحدها.
وفي هذا السياق، تكتسب الشراكات الدفاعية المتنوعة أهمية متزايدة، سواء من خلال التعاون في مجالات الدفاع الجوي والإنذار المبكر وتبادل المعلومات، أو عبر تطوير القدرات الوطنية لحماية المنشآت الحيوية والبنية التحتية.
ويظل نجاح هذا التوجه مرهونًا بطبيعة الالتزامات الفعلية بين الشركاء، ومدى قدرتهم على التنسيق، وانعكاس التعاون الدفاعي على تعزيز الاستقرار الإقليمي، بدلًا من توسيع نطاق المواجهات.
التحالفات الإقليمية والقضية الفلسطينية
ويتطرق التحليل إلى التحولات التي شهدتها العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية، وما ترتب عليها من ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية، مؤكدًا أهمية تقييم هذه الترتيبات وفق تأثيرها في سيادة الدول ومصالحها الوطنية واستقرار المنطقة.
وفي الوقت نفسه، لا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن علاقات التطبيع تمثل السبب المباشر للهجمات الحالية على السعودية، أو أن التصعيد يجري وفق خطة مشتركة بين أطراف إقليمية.
ويؤكد هذا الطرح ضرورة الفصل بين الوقائع المؤكدة والاستنتاجات السياسية، مع إدراك أن مستقبل الأمن الإقليمي يرتبط بمدى قدرة الأطراف المختلفة على معالجة أسباب الصراعات وتجنب السياسات التي تؤدي إلى مزيد من التوتر.
كما تظل القضية الفلسطينية عنصرًا أساسيًا في معادلة الاستقرار بالشرق الأوسط، إذ إن تحقيق سلام مستدام يتطلب تسوية عادلة تضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولا تكتفي بترتيبات أمنية أو اقتصادية مؤقتة.
مصر وقناة السويس في قلب معادلة الأمن الإقليمي
تمثل التطورات المتلاحقة في البحر الأحمر والخليج تحديًا مباشرًا للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية المصرية، في ظل الأهمية الحيوية لقناة السويس باعتبارها أحد أبرز شرايين التجارة العالمية.
ومن شأن اتساع التوترات البحرية أن يؤثر في قرارات شركات الشحن ومسارات النقل وتكاليف التأمين، بما يفرض ضرورة تعزيز التنسيق الإقليمي لحماية الملاحة وضمان استمرارية حركة التجارة.
وتتمثل المصلحة الاستراتيجية المصرية في احتواء الصراعات، ودعم أمن الدول العربية، والحفاظ على حرية الملاحة، وتعزيز فرص التسوية السياسية، مع العمل على حماية المصالح الاقتصادية الوطنية من تداعيات الاضطرابات الإقليمية.
كما تبرز أهمية بناء آليات عربية مشتركة لتبادل المعلومات وتنسيق المواقف وتعزيز الجاهزية للتعامل مع المخاطر التي تهدد المنشآت الحيوية والممرات البحرية.
الأمن العربي يتطلب تنسيقًا استراتيجيًا يتجاوز إدارة الأزمات
يخلص التحليل إلى أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة دقيقة تتداخل فيها اعتبارات الطاقة والدفاع والتحالفات السياسية والمنافسة على الممرات البحرية، بما يجعل إدارة الأزمات وحدها غير كافية لضمان الاستقرار على المدى الطويل.
فالتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في التعامل مع الهجمات بعد وقوعها، بل في بناء منظومة إقليمية أكثر قدرة على استشراف المخاطر، وحماية مؤسسات الدول الوطنية، وتنسيق القدرات الدفاعية، وتعزيز استقلال القرار السياسي.
وتتطلب المرحلة الراهنة تحقيق توازن بين تنويع الشراكات الدولية والاعتماد على القدرات الوطنية، مع تجنب الانجرار إلى مواجهات مفتوحة قد تفرض تكاليف اقتصادية وأمنية باهظة على شعوب المنطقة.
ويؤكد التحليل أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق بمجرد تغيير التحالفات أو إبرام الاتفاقيات، بل يحتاج إلى توازنات تحمي سيادة الدول، وتصون مؤسساتها الوطنية، وتعالج جذور الصراعات، وتضمن أمن الممرات البحرية وحرية التجارة.
ففي منطقة تتغير فيها التحالفات وتتداخل المصالح الإقليمية والدولية، تظل قدرة الدول العربية على تنسيق مواقفها وحماية مصالحها وامتلاك أدواتها الوطنية عنصرًا حاسمًا في مواجهة التحديات الراهنة، وتحديد مستقبل الأمن والاستقرار والتنمية في السنوات المقبلة.





