📅 أغسطس 21, 2026⏱ 1 دقيقة قراءة

رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية: الرقمنة والذكاء الاصطناعي يفرضان إدارة حقوق الذاكرة الوطنية وحمايتها من التهميش والتشويه

أكد الأستاذ الدكتور هشام عزمي، رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية، أن حماية الذاكرة الوطنية لم تعد تقتصر على حفظ الوثائق والمخطوطات والمقتنيات، وإنما أصبحت ترتبط كذلك بإدارة الحقوق المتعلقة بها وحمايتها وإتاحتها بصورة مسؤولة، في ظل التحولات المتسارعة التي فرضتها الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

جاء ذلك خلال الكلمة الرئيسية التي ألقاها الدكتور هشام عزمي في المؤتمر السنوي السادس والعشرين للجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات والأرشيف، بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية، والذي انعقد تحت عنوان «المكتبات والمتاحف والأرشيفات في خدمة ذاكرة الوطن والعالم» خلال يومي 19 و20 أغسطس الجاري، بحضور الأستاذ الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور أحمد أمان، نائب رئيس الجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات والأرشيف، ونخبة من المتخصصين في مجالات المكتبات والمعلومات والأرشيف.

«الذاكرة الوطنية ليست مخزنًا للماضي»

وفي كلمته التي حملت عنوان «مستقبل الذاكرة الوطنية من منظور الملكية الفكرية»، أوضح رئيس الجهاز أن المكتبات والمتاحف والأرشيفات لا تمثل مجرد مستودعات لحفظ الكتب والوثائق والمقتنيات، وإنما تؤدي دورًا حضاريًا أساسيًا في حفظ ذاكرة المجتمع وتوثيق تطوره وصون إنتاجه الفكري والثقافي.

وأشار إلى أن المجتمع لا يكتفي بحفظ ذاكرة الماضي، بل يصنع من خلال ما ينتجه ويوثقه اليوم ذاكرة المستقبل، موضحًا أن الذاكرة الوطنية بمفهومها الواسع تشمل المعارف والثقافة والفنون والإبداعات والأحداث والوثائق والشهادات والمقتنيات والرموز والتجارب التي يرى المجتمع أنها جديرة بالحفظ والنقل إلى الأجيال القادمة.

وأكد أن ما يكتبه الإنسان ويصوره ويسجله وينتجه اليوم سيشكل جزءًا من الذاكرة التي سيقرأ من خلالها الأبناء والأحفاد عصرنا الحالي.

الرقمنة تعيد تشكيل ذاكرة الوطن

وأوضح الدكتور هشام عزمي أن التحول الرقمي أدى إلى تغيير طبيعة إنتاج الذاكرة الوطنية، بعدما أصبح الهاتف المحمول قادرًا خلال لحظات على إنتاج الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات والنصوص وإتاحتها لملايين الأشخاص.

وقال إن هذا الواقع يفرض ضرورة ضمان أن تكون ذاكرة المستقبل موثقة وأصيلة وقابلة للحفظ والإتاحة، مع احترام الحقوق المرتبطة بالمحتوى والمواد التي تشكل هذه الذاكرة.

وشدد على أن امتلاك المؤسسة للنسخة المادية من كتاب أو لوحة أو وثيقة لا يعني بالضرورة امتلاكها لحقوق الملكية الفكرية المرتبطة بها، مؤكدًا أن إدارة الحقوق أصبحت جزءًا أساسيًا من إدارة الذاكرة نفسها.

وأشار إلى أن الرقمنة لا تمثل مجرد عملية تقنية، وإنما تثير مجموعة من المسائل القانونية المرتبطة بحقوق المؤلف والإتاحة وإعادة الاستخدام، وهو ما يتطلب وعيًا مؤسسيًا متكاملًا بحقوق الملكية الفكرية.

فروع الملكية الفكرية تدعم حماية التراث والهوية

وتناول رئيس الجهاز دور مختلف فروع الملكية الفكرية في حماية الذاكرة الوطنية، بدءًا من حق المؤلف والحقوق المجاورة، مشيرًا إلى أن العلامات التجارية يمكن أن تسهم في حماية هوية المؤسسات الثقافية وقيمتها.

كما أوضح أن التصميمات والمؤشرات الجغرافية والمعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي تفتح مجالات جديدة لربط التراث بالإبداع المعاصر، وتحويل عناصر الهوية الثقافية إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة.

الذكاء الاصطناعي.. تحديات جديدة أمام الذاكرة الوطنية

وسلط الدكتور هشام عزمي الضوء على التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي أمام منظومة الملكية الفكرية، خاصة فيما يتعلق بتحديد الملكية والأصالة، واستخدام المصنفات والبيانات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وحقوق المخرجات، والاستنساخ والتقليد، إلى جانب التحولات التي طرأت على مفهوم الإبداع.

وحذر من أن التحدي لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يمتد إلى الهوية الثقافية، موضحًا أن الثقافة التي لا تحظى بتمثيل كافٍ ودقيق في البيانات الرقمية قد تكون عرضة للتهميش أو التشويه في بيئة الذكاء الاصطناعي.

وأكد أن حماية الذاكرة الوطنية في العصر الرقمي تعني كذلك ضمان حضور الثقافة واللغة والخصوصية الحضارية المصرية في البيانات التي تشكل ما يمكن وصفه بـ«ذاكرة الآلة».

مصر تنتقل من الاستراتيجية إلى التنفيذ المؤسسي

واستعرض رئيس الجهاز مسار تطور منظومة الملكية الفكرية في مصر، بدءًا من النص الدستوري الذي أكد حماية حقوق الملكية الفكرية، مرورًا بإطلاق الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية عام 2022، ثم صدور القانون رقم 163 لسنة 2023 بإنشاء الجهاز المصري للملكية الفكرية، وصولًا إلى بدء الجهاز ممارسة اختصاصاته.

وأوضح أن هذا المسار يعكس انتقال مصر من الاستحقاق الدستوري إلى الاستراتيجية والتشريع والمؤسسة والتشغيل الفعلي.

وأكد أن منظومة الملكية الفكرية تحتاج إلى مؤسسة قادرة على تنفيذ السياسة الوطنية وتنسيق الجهود ورفع الوعي وتعزيز الإنفاذ وبناء الشراكات ومواكبة التحولات التكنولوجية.

وأشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية لا تنظر إلى الملكية الفكرية باعتبارها مجرد أداة للحماية القانونية، وإنما باعتبارها وسيلة لتحقيق قيمة ثقافية واقتصادية واجتماعية ودعم أهداف التنمية المستدامة.

4 أهداف رئيسية للاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية

وأوضح الدكتور هشام عزمي أن الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية ترتكز على أربعة أهداف رئيسية، تتمثل في:
حوكمة البنية المؤسسية لمنظومة الملكية الفكرية.
تهيئة البيئة التشريعية الداعمة للملكية الفكرية.
تفعيل المردود الاقتصادي للملكية الفكرية بما يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
نشر الوعي بالملكية الفكرية بين مختلف فئات المجتمع المصري.

وأكد أن هذه الأهداف تعكس توجهًا نحو الانتقال من مجرد مفهوم حماية الملكية الفكرية إلى تعظيم قيمتها والاستفادة منها في المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية.

«حفظ الماضي ليس كافيًا.. علينا أن نصنع ذاكرة المستقبل»

واختتم الدكتور هشام عزمي كلمته بالتأكيد على أن «الذاكرة الوطنية ليست مخزنًا للماضي؛ إنها مورد للمستقبل»، موضحًا أن حماية الماضي لا تعني فقط حفظه، وإنما تشمل أيضًا توثيقه وحماية الحقوق المرتبطة به وضمان أصالته وإتاحة استخدامه بصورة مشروعة، وتحويله إلى مصدر للمعرفة والإبداع والتنمية.

وشدد على أن مستقبل الذاكرة الوطنية يتطلب شراكة مؤسسية وثيقة بين مؤسسات الذاكرة ومؤسسات الملكية الفكرية والمجتمع الإبداعي والباحثين والمطورين والقطاع الخاص، بما يضمن انتقال ذاكرة صحيحة وأصيلة ومتنوعة ومحترمة الحقوق إلى الأجيال القادمة، وإلى منظومات الذكاء الاصطناعي.