في مقال فكري بمناسبة المولد النبوي.. النوبي يدعو إلى تجاوز الجدل حول مظاهر الاحتفال والعودة إلى قيم العلم والعدل والرحمة والعمل
بقلم: السفير الدكتور الحبيب النوبي
المستشار في الديوان الملكي السعودي
تمر بنا كل عام ذكرى ميلاد الهادي البشير، رسول الرحمة للعالمين، وهي مناسبة تستدعي استحضار التحول الإنساني والحضاري الكبير الذي أحدثته الرسالة المحمدية، وما حملته من قيم العلم والعدل والرحمة والكرامة الإنسانية وإصلاح السلوك وبناء المجتمع.
وفي مقاله بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، يؤكد السفير الدكتور الحبيب النوبي أن استحضار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يقتصر على المظاهر الموسمية أو الجدل حول صور الاحتفال، وإنما يجب أن يتحول إلى وقفة صادقة مع النفس، ومراجعة لمسار الأمة، وتجديد للاقتداء برسول الرحمة في واقع الحياة.
ويستعرض النوبي جوانب من التحول الذي أحدثته الرسالة المحمدية، من الجهل إلى العلم، ومن العصبية والظلم إلى العدل والإنصاف، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن التفاخر بالأنساب إلى تكريم الإنسان، مؤكدًا أن قوة التجربة النبوية تجلت في قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع خلال فترة زمنية وجيزة.
ويرى أن ذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم تمثل فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول واقع المسلمين اليوم: لماذا تراجع الأداء العلمي والاقتصادي؟ ولماذا اتسعت الفجوة بين القيم التي نؤمن بها والممارسات التي نعيشها؟ ولماذا تراجعت جودة العمل والإنتاج؟ ولماذا تفككت بعض الروابط الأسرية والاجتماعية، وضعفت صلة الأرحام، وتراجع الالتزام بالعبادات والأخلاق؟
ويؤكد النوبي أن الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل، في جوهرها، الطريق الحقيقي للاحتفاء بصاحب الذكرى، مشددًا على أن المحبة الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تنعكس في السلوك والعمل، لا أن تبقى مجرد شعارات أو مظاهر عابرة.
ويختصر رؤيته في عبارة: «المحب للمحب مطيع»، معتبرًا أن الاقتداء برسول الله يكون بالرحمة والعدل والأمانة والصدق والإحسان وإتقان العمل وبر الوالدين وصلة الأرحام ورعاية الأبناء وإكرام الجار وطلب العلم وصون حقوق الإنسان وكرامته.
كما يدعو إلى تجاوز الخلافات الجدلية حول مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي، ومنها شراء الحلوى وأشكالها، وعدم تحويل هذه المسائل إلى محور يستنزف وقت الأمة وطاقتها، مؤكدًا أن الأهم هو الانشغال بما يصلح حياة المسلم ويعيد إليه صلته بكتاب الله وسنة نبيه.
ويخلص السفير الدكتور الحبيب النوبي إلى أن الاحتفال الحقيقي بميلاد المختار هو تصحيح المسار والتدارك قبل فوات الأوان، والبدء بإصلاح الإنسان لنفسه وأسرته ومجتمعه، واستعادة التوازن بين الإيمان والعلم، والعبادة والعمل، والرحمة والقوة، والأصالة والانفتاح.
فإذا كانت الرسالة المحمدية قد بدأت بإصلاح الإنسان، فإن النهوض الحقيقي للأمة يبدأ من الإنسان نفسه.
وكل عام وأنتم بخير، والأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء في سلام ورحمة.





